25-11-2002
محاضرة
الشيخ محمد سعيد النعماني
(قصر
قرطاج 20 رمضان 1423 هجري الموافق لـ25 نوفمبر 2002)
بسم الله الرحمان الرحيم
الحمد لله الذي جعل الناس شعوبًا
وقبائل ليتعارفوا ويتحاوروا، ليكون الأكثر تقوى وقربا منه هو الأكرم
والأفضل عنده، والصلاة والسلام على جميع أنبياء الله تعالى من آدمهم
إلى خاتمهم، الّذين كانوا كلمة الله إلى البشر ليبلغوا دينه ويبشّروا
بالعدالة والسلام والحبّ بين بني الإنسان، ونتابع السلام على آل
محمد الأطهار وصحبه الأخيار ومن تبعهم بإحسان.
سيادة الرئيس زين العابدين بن علي رئيس الجمهورية التونسية
حفظكم الله ورعاكم وسدّد على طريق الخير والنّجاح خطاكم.
أهنّئكم من صميم القلب بهذه الأيام الفضيلة المباركة من شهر رمضان
المبارك بكلّ ما يحمله من خير ورحمة ومغفرة وتقوى رمضان الصيام والقيام،
والشهر الّذي نزل فيه القرآن هُدًى ورحمة وفرقانًا، شهر ليلة القدر
الّتي هي خير من ألف شهر، وأتوجّه بهذه التهنئة العابقة من خلال
شخصكم الكريم إلى شعب تونس الشقيقة، تونس الحضارات العريقة والقيم
النبيلة والأخلاق الفاضلة، تونس الّتي لعبت ولا تزال، دورًا هامًا
في محيطها الإقليمي والعالمي تنشر رفيع المبادئ، والفكر الاجتهاديّ،
وأصول التعاون والتّلاقي، تونس الّتي احتضنت الإسلام ودافعت عنه
وحملته علمًا خيّرًا وفكرًا نيّرًا وهدًى ونورًا، تونس القمم والقيم
وحاضنة القضية الإنسانية الإسلامية العربية، قضية فلسطين وحقوقها
المشروعة، تونس الّتي تعيش بقيادتكم الحكيمة المتبصّرة مسيرة الإصلاح
والبناء، تونس الّتي أسّست مشروعها المجتمعي الجديد على قيم الإسلام
وبهديٍ من سيرة خيّر الأنام….
تونس التي ما انفكّت تنجز في صمت بحرص شخصي من سيادتكم الإنجاز تلو
الإنجاز على درب خدمة كتاب الله العزيز وحفظه في الصّدور كما في
السّطور، حيث أذنتم يا سيادة الرئيس بتلاوة كلام الله المكنون ليلاً
نهارًا بدون انقطاع على مدار الساعات والأيام والشهور في رحاب جامع
الزيتونة المعمور، كما أذنتم بطبع مصحف الجمهورية التونسية في طبعات
وأحجام وأشكال على الورق وفي قرص ممغنط مضغوط بالنصّ والتّلاوة.
ورعيتم المسابقات القرآنية وشجّعتم المشاركين فيها من المتابعين
لحفظ القرآن المجيد في الكتاتيب القرآنية التي تنتشر في كلّ ربوع
البلاد والتي تضاعف عددها ثلاث مرّات في ظلّ عهدكم السّعيد، لتصلوا
بهذا العمل المحمود إلى ما بادرتم إليه هذا العام لأول مرة في تاريخ
هذا البلد الشقيق من تنظيم مسابقة تونس الدّولية لحفظ القرآن الكريم
وترتيله وتفسيره التي انطلقت صبيحة هذا اليوم الفاتح للعشر الأواخر
من شهر رمضان الأبرك تحت سامي إشراف سيادتكم بمشاركة اثنتي عشرة
دولة إسلاميّة بحَفَظَةٍ متسابقين وقرّاءٍ محكَّمين.
فإليكم يا سيادة الرئيس كلّ الحب والتقدير والتبجيل، وإلى بلدكم
وبلدنا تونس كلّ الضراعة والدعاء بمزيد التقدّم والازدهار ودوام
الأمن والاستقرار.
سيادة الرئيس الموقّر:
إنّه لمن دواعي الفخر والسعادة والاعتزاز أن أكون في هذا البلد الكريم
المضياف وفي هذه الأيام المباركة أعادها الله على سيادتكم وعلى شعبكم،
وعلى شعوب المسلمين والبشرية عامّة بالخير واليمن والبركة، وإنّها
لمناسبة كريمة ومميّزة أن أنقل مشاعر المحبّة والإجلال التي يكّنها
الشعب الإيراني لشخصكم ولأهل بلدكم، انطلاقًا من روابط تاريخية ضاربة،
واستمرارًا لها في ظلّ علاقات أخوية تزداد قوّة واطّرادًا بقيادة
فخامتكم وفخامة أخيكم السيد خاتمي رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية
الّذي شرّفني بتبليغ أجمل تحيّاته وأسمى تبريكاته إلى شخصكم الكريم
وإلى شعبكم العظيم.
وإنّ الحديث الّذي اختير لإلقائه هذه الليلة بين يديكم الكريمتين
يا سيادة الرئيس يتناول موضوع الحوار ومكانته في الحضارة الإسلامية،
تأكيدًا للأهمية التي تولونها سيادتكم لهذا الموضوع المصيري والحسّاس
الذي تطرّقتم إليه في أكثر من مناسبة وأكدّتم على ضرورته في أكثر
من حديث ممّا يعني انشغالكم بهذا الهمّ الإنساني الذي بدونه لن يجد
المجتمع البشري سوى الخَيْبَةِ والدمارِ وإهدارِ الطاقاتِ وإسالةِ
الدموعِ وسفْكِ الدماءِ.
وأنتم بذلك يا سيادة الرئيس تبتغون التّبـْيَانَ للمسلمين ولغير
المسلمين لحقائقَ ثابتةٍ ودلائلَ صارخةٍ منها:
- أنّ العقل الذي هو أغلى منحة إلهية للإنسان يحكم بضرورة الحوار
ولزومه وتحكيم مبادئه ومبانيه إذ لا بديل عنه إلا التشنّج والبوار
سواء فيما يهمّ العلاقاتِ الفرديةَ أو الاجتماعيةَ أو الدوليةَ .
وأنّ التعاليم السماوية جاءت لتؤيّد حكم العقل وتسانده وتدفع الناس
لجعله وسيلة للتخاطب بدلاً من اللجوء إلى العنف ولغة القوة إذ بالرجوع
إلى القرآن الكريم كتاب الله الخالد الّذي لا يأتيه الباطل من بين
يديه ولا من خلفه تتأكّد هذه الحقيقة الناصعة، حين نرى أنّه أكْثَرَ
من استخدام كلمة القول ومشتقاتها في التحاور مع الآخر، وحين نعلم
أن معجزة ديننا الحنيف تمثّلت في كتاب وبيان، وحين نَتفحّص سُورَهُ
وآياتْهِ فنرى أنّ مواضع عديدة منه تدعو إلى الحوار وتحثّ عليه وتبيّن
أهميّته ومكانته في ربط العلاقات وتحقيق المنافع والخيْرات: فها
هو يدعو للحوار الهادئ المرن بقوله:
" ومن أحسن قولاً ممّن دعا إلى الله وعمل صالحًا وقال إنّني
من المسلمين"
وقوله:" ولا تجادلوا أهل الكتاب إلاّ بالتي هي أحسن"،
مؤكّدًا من جهة أخرى على نقاط الالتقاء والاشتراك بقوله: قل يا
أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم. وها هو يقول
في صفات المؤمنين: الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه.
وفي مراعاته للإنصاف ومشاعر الآخر يؤكّد قائلاً:
وإنا أو إياكم لعلى هدًى أو في ضلال مبين.
والقرآن الكريم قبل ذلك وبعده، يؤكّد على النَّسَبِ البشري الواحد
وأنّ الناس عائلة واحدة من أب واحد وأم واحدة وإذا كان هناك من تمايز
واختلاف في اللّون أو اللغة أو غيرهما فإنّما يجب أن يكون ذلك مصدر
إثراء وتعاون وتآلف وتكامل لامصدر عداء وتجنّ وتعصّب لا يليق بأبناء
العائلة الواحدة.
ثم إنّ سيرة النبي محمد صلّى الله عليه وسلّم، ومن بعده أصحابه وأهل
بيته حافلة بالنماذج الرّائعة في هذا المجال: فكم يحدّثنا التاريخ
عن المناظرات الحرّة والحوار الموضوعي البنّاء مع أصحاب الأفكار
المختلفة والمذاهب المتعدّدة وحتى مع الملحدين في الحواضر العلمية
الإسلامية بل وفي المساجد وبيوت الله الكبرى، وإن كنّا لا نرى ضيرًا
في تسجيل بعض المواقف السلبية في تاريخنا حول الفكر وحرّيته فإنّها
لا تعدو أن تكون معبّرة عن ممارسات بشرية ينتابها الضعف أو التوظيف،
ولا يمكن بحال حملها على الإسلام ومبادئه الخيّرة وروحه النيّرة
.
نعم يا سيادة الرئيس
لقد أرسى الإسلام قيمًا وتعاليم عالية في التعامل بين الناس على
أسس من المحبة والتسامح. وكما قلتم في خطابكم الأخير في الذكرى الخامسة
عشرة للتحوّل الميمون:
"إنّنا حرصنا منذ التغيير على دعم مبادئ ديننا الحنيف السمحة
من اعتدال وتكافل وتآزر وتعاون ودعونا دائمًا إلى حوار الحضارات
والثقافات، ونحن نعمل باستمرار على دعم الصّورة المشرقة للإسلام
في العالم. " فقد أعلنتم بهذه المناسبة عن إحداث جائزة رئيس
الجمهورية العالمية للدراسات الإسلامية، من أجل إثراء الفكر الاجتهادي
المؤمن بالحوار والتفتح الرّافض للانغلاق والتحجّر، مستلهمين في
ذلك ( سيادة الرئيس) من أصول ديننا الإسلامي الحنيف ومن تراثنا الديني
والثقافي السَّمْحِ الزّكي.
فالمسلمون قد تعاملوا مع عطاء الآخرين بكل أريحية ومسؤولية، إذ احترموا
التراث الثقافي والفنّي الذي انتقل إليهم من الحضارات السّابقة وحافظوا
عليه واعتبروه تراثًا إنسانيًا مشتركًا فكان أن بقيت المعالم الأثرية
والفنّية والمعابد والكنائس والأديرة شاهدًا على هذا السّلوك الحضاري
على مرّ القرون، وهو سلوك ناشئ في حقيقته من فهم إسلامي أصيل يقرّ
بالتعدّدية ويرى الاختلاف حقيقة طبيعية وفطرية كونية.
قال تعالى: " ومن آياته خلق السّماوات والأرض واختلاف ألسنتكم
وألوانكم"،
وقال أيضًا: "ولو شاء ربك لجعل الناس أمّة واحدة ولا يزالون
مختلفين إلاَّ من رحم ربّك ولذلك خلقهم،
وقال في سياق رائع لا تضاهيه روعة في مجال فتح الباب واسعًا لعمل
الخير للجميع من دون تمييز أو استثناء:
"لكلّ جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا ولو شاء الله لجعلكم أمّة واحدة
ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات، إلى الله مرجعكم جميعا
فينبّئكم بما كنتم فيه تختلفون" المائدة 48 .
ومن هنا تظافرت جهود المسلمين من أبناء الشعوب المختلفة عربية وفارسية
ورومية وتركية وكردية و غيرها مع جهود أبناء الديانات الأخرى مسيحية
و يهودية لِصُنْعِ حضارة عظيمة كونية مشتركة .
فقد أسندت الإدارةُ الإسلاميةُ بعضَ الشؤونِ والمناصب إلى أبناء
الديانات الأخرى فضلا عن إتاحة الفرصة لهم لدخول ميادين العلم والحكمة
والمعرفة .
وكانت العلاقات الاجتماعية رائقة رائعة تبعث على العَجَبِ والنخوة
في آن، من ذلك العلاقة المميزة التي كانت قائمة بين الشريف الرضي
الفقهيه والمفسّر والأديب ونقيب الأشراف في زمن خلافة الطائع العباسي،
و جامع خطب الإمام علي في ما سمّاه بنهج البلاغة، وبين الكاتب والأديب
إبراهيم الصابي المنتمي إلى دين الصائبة . فالرسائل المتبادلة بينهما
تدل على محبة وطيدة وعلاقة فريدة تحكيهما قصيدة عصماء تعتبر من غرر
الشعر العربي أنشدها الشريف الرضي في رثاء الصابي بعد موته حيث قال:
أرأيت من حملوا على الأعـواد أرأيت كيف خبا ضياء النادي
ما كنت اعلم قبل حطك في الثرى إن الثرى يعلو على الأجواء
اعزز على بأن يفارق ناظري لمعان ذاك الكوكب الوقــاد
قد كنت أهوى أن أشاطرك الردى لكن أراد الله غيـر مرادي
ويستمرّ في قصيدته ليتوصل إلى أهمية الرابطة الثقافية والأدبية في
توثيق عرى الصداقة والمحبة بقوله :
الفضل ناسب بيننا إن لم يكن شرفي مناسبة ولا ميلادي
إن لم تكن من أسرتي وعشيرتي فلأنت أعرقهم يدا بودادي
ضاقت عليّ الأرض بعدك كلّها وتركت أضْيقها عليّ بلادي
سيادة الرئيس الموقر :
لقد آمنتم و أكدتم بأن الحوار لا يكون إيجابيا و مفيدا إلا إذا كان
بعيدا عن المساومات والشعارات و شريطة أن يصبح ثقافة مجتمعيّةً مبثوثةً
في الفكر وفي السلوك على حدّ السواء، إذ هو لا ينطلق من فزاع وإنما
يجب أن يعتمد على أرضية صلبة تؤطر نشاطات الإنسان وسلوكياته في مختلف
الأحوال والمجالات: فالحوار يبدأ من النفس ذاتها نقدًا وتصحيحا ومحاسبة،
ومنها ينطلق إلى الدوائر الأكثر اتساعًا: إلى البيت، ثم إلى المجتمع
ثم إلى العالم .
فالأب أو الأم اللذان لا يجيدان الحوار بينهما أو مع أبنائهما لا
يمكن أن يقوما بحوار مع الآخرين، وهنا أسجل لفتتكم الدقيقة لهذا
الأمر حين أذنتم بأحداث كرسيّ لحوار الحضارات والأديان كي يكون مَادَّةً
تعليميةً يتربّى عليها النشء والأجيال الصاعدة، ومن هذا المنطلق
التربوي الرئيسيّ نتوصل إلى أهمية فهم وإدراك مشاغل الشباب ومحاورتهم
بخطاب ينسجم مع طموحاتهم وآمالهم ومطالبهم مصادقًا لمقولةٍ وردت
عن الإمام على، يقول فيها " لا تقرّوا أولادكم على أخلاقكم
فإنّهم خُلقوا لزمان غير زمانكم".
كما أكدّتم يا سيادة الرئيس، وأنتم في ذلك تستحضرون مضامين ديننا
الإسلامي الحنيف بأنّ الإنسانية في حاجة إلى مبادئ سامية وقيم رفيعة
ومعايير أخلاقية وفي مقدّمتها قيمة الحوار منعًا للتسلّط والطغيان
والاستكبار، وقطْعًا لدابر استغلال القوّة لفرض الإرادة والثقافة
أو حرمان الآخرين حتّى من المواهب الربّانية الطبيعيّة الماديّة
والفكريّة. وهذه هي المعادلة الصعبة الّتي تواجه المجتمع الإنساني
اليوم: إشكالية الازدواجية في التّعامل، والاستفراد بالقوّة، وفرض
أنماط معيّنة على الآخرين، واغتصاب الأرض والعرض، ونحو ذلك من ضروب
الثغرات والشروخ العميقة في العلاقات الإنسانية التي لا شكّ أنّها
تُحرج الحكماء والدّاعين إلى الحوار أمثالِكُم، وتعسّر مهمّتهم في
الإصلاح وضمان أسباب العيش الكريم للجميع. وهنا أستعين بجملة لسيادتكم
في هذا المضمار حين قلتم: وفي الوقت الذي نندّد فيه بشدّة بكل أنواع
التفرقة والتطرّف وندعو لمقاومة الإرهاب فإنّنا ننبّه إلى مخاطر
الإبقاء على أوضاع تتدهور باطراد من جرّاء سياسة المكيالين التي
تخلّ بالتوازنات الدولية على طول المدى.
ويستمرّ كلامكم قائلين:
ونعتقد أنّه لا يمكن تحقيق السلام إلاّ بالقضاء على بؤر التوتّر
في مختلف أنحاء العالم وفي مقدّمها القضيّة الفلسطينية التي تشهد
تصعيدًا خطيرًا بسبب استمرار العدوان الإسرائيلي والأوضاع المأسوية
التي يعيشها الشعب الفلسطيني.
ويأتي تأكيد سيادتكم على القلق من الأوضاع الدولية وحالات الترقب
والرّعب التي تسود العالم اليوم-يأتي رائعًا وحكيمًا حين تؤكّدون:
بأنّ إنحزام التوازن في العلاقات الدولية يدعونا جميعًا إلى التفكير
في إعادة ترتيب هذه العلاقات على أسس القانون والشرعية الدولية والدعوة
إلى وضع قواسم مشتركة وملزمة تساعد على إقامة حوار مسؤول يتجاوز
ازدواجية المعايير ويخفّف الشعور بالحرمان والقهر لدى شعوب كثيرة.
وكما أشرتُم في ختام حديثكم عن التوازنات الجيواستراتيجية الجديدة
في عالم اليوم، بأنّ العولمة مع ما لها من الجوانب الإيجابية بفضل
تُتيحه من فرص هامّة لتحقيق التقدّم ومواكبة التطوّر، فإنّ لها أيضًا
تأثيراتٍ سلبيةً، إذ عمّقت الفوارق بين الدول النامية والغنيّة،
منبّهين إلى أن من معوّقات الحوار والتّفاهم أشكال التهميش والإلغاء
وتقديم المصلح الضيّقة والمنافع الخاصّة وفرض الفقر الذي كاد أن
يكون كفرا كما في المأثور باعتبار ذلك مجالاتٍ للتوتّر والتشنّج
والاستنفار، ورفض كل أشكال التخاطب والتلاقي والتسامح والحوار، و
بؤرًا للحالات المرضية والاستثنائية وردود الأفعال غير المنطقية
في كثير من الأحوال .
وكم كانت دعوتكم يا سيادة الرئيس منطقية وحكيمة حين ناشدتهم العالم
بأسره المبادرة إلى إحداث صندوق عالمي للتضامن باعتباره آلية لاحتواء
جيوب الفقر والمساعدة على إزالة الفوارق المجحفة بين الشعوب والحدّ
من أسباب التوتر والتعصب والإرهاب، هذا المشروع الذي حظي بمصادقة
الجمعية العامة للأمم المتحدة، والذي نأمل أن يرى النور في اقرب
الآجال إسهاما في تكريس الأمن والسلام وتحقيق التعايش والحوار.
وكم نشعر بالاعتزاز والفخر حينما تنطلق هذه المشاريع والدعوات الإنسانية
على الصعيد العالمي من الدول الإسلامية بالخصوص: هذه الدعوة من تونس
ومن خلال شخص سيادتكم تعضدها الدعوة المماثلة للحوار بين الحضارات
التي أطلقتها الجمهورية الإسلامية الإيرانية من قبل فخامة رئيس الجمهورية
السيد خاتمي لدحض الشبهات تُثَـارُ بين الحين والآخر متهمة إيانا
وديننا بالتعصب والانغلاق، والحال أنّنا وديننا من ذلك براء، اللهم
تلك الحالات الشاذة التي تحسب على الإسلام كذبا و بهتانا، والتي
يجب أن تحفظ و لا يقاس عليها كما يقال خصوصا و قد انكشفت للعيان
ألاعيبها و افتضحت أحابيلها وسقطت عن الوجوه أقنعتها .
غير أن ذلك يا سيادة الرئيس يجب أن لا ينسينا واقعنا، أو أن يحملنا
على تغافل ما بذواتنا، فإذا أردنا الدخول في حوار بنَّاء وإيجابي
مع الآخر فلا بد أن يتكرّس الحوار داخل أمتنا ولدى شعوبنا على أسس
صحيحة وسليمة، تحكمه القواعد المعلومة والأطر الصحيحة : على النحو
الذي تسلكونه مع شعبكم وتسعون جاهدين إلى دفعه وتعزيزه بين الراعي
والرعية، وبين علماء الدين والمثقّفين وبين الكهول والشيوخ بخبراتهم
وتجاربهم والناشئة والشباب بطاقاتهم وطموحاتهم، وبين الرجل والمرأة
التي ما زالت في بعض المجتمعات الإسلامية الأخرى تعيش حالة استثنائية
مهدورة الطاقات، منتقصة الحقوق، مهمّشة ومغلوبة على أمرها، والغريب
أنّ يتم ذلك أحيانًا باسم الإسلام وهو الذي أكرمها وأعلى شأنها وضمن
لها كرامتها ومكانتها.
هكذا، سيادة الرئيس الموقّر:
إذا تحقق هذا الحوار في حصوننا وداخل ذواتنا وبيوتنا نستطيع بكلّ
ثقة وطمأنينة أن نكون الرّقْمَ الصحيحَ في المعادلةِ الكونيةِ والإنسانية
وأن نضمن فرصة الحوار المتكافئ مع الآخر وأن نتجاوز معه سلبيات الماضي
بكلّ مآسيه لبناء إيجابيات المستقبل بكل طموحاته: فهذا الغرب أمامنا
قد استطاع أن يُغلّب الحكمة ليتجاوز بحورًا من الدماء وآثارًا لحربيْن
كونيّتيْـن أزهقتا الملايين من الأرواح من أبنائه وأن يؤسّس اتّحادًا
يزداد قوّة ورسوخًا يومًا بعد يوم.
وإنّنا نؤكّد للمتحفّظين على الحوار والمنكفئين على ذواتهم بأنّنا
بهذه الرّوح المتفتّحة السّمحة لا ندعو إلى تمييع الثوابت الإسلامية
والخروج عن الأسس والأصول الصحيحة ولكنّنا ندعو إلى الانفتاح على
ما حولنا لما فيه مصلحة البشرية جمعاء مصداقًا لقوله جلّ وعلا :"
وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين، على النّحو الذي رسمتموه بقولكم
يا سيادة الرئيس : إنّ الانخراط في العولمة لايعني التّفسّخ والذوبان،
كما أنّ التمسّك بالهويّة لا يعني التقوقع والانغلاق على الذات.
إنّنا ندعو إلى اجتهاد أصيل يعترف بخصوصية كل زمان وكل مكان ويبرز
مرونة الإسلام وصلاحيته لكل عصر ومصر. كما ندعو غير المسلمين حيثما
كانوا إلى تصديقنا والالتفات إلينا والاهتمام بنا ونحن نمدّ يد التعاون
والمحبّة لاستتباب السلام العادل والرخاء والازدهار. وإنّه ليست
من قوّة في الأرض مهما عظمت واستطالت أن تفرض نفسها على الجميع لمدًى
طويل بل عليها أن تنظر إلى مصالحها ومصالح الآخرين، وإنّ الغلبة
دائمًا للحق والعقل والحوار، وأمّا منطق القوّة والصّراع والصّدام
والقول بنهاية التاريخ فذلك كما أكّدتم في افتتاحكم للندوة الدولية
حول حوار الحضارات بقرطاج، إنّما هو تدمير لما يؤسّسه حوار الحضارات
من رؤية لمستقبل أكثر اطمئنانا وأشدّ تضامنا، وهو كذلك تبرير للنزعة
التهديمية التي يرعاها دعاة العنصرية والإرهاب.
لقد قلتم يا سيادة الرئيس في هذا الصّدد بأنّ على الطّرف المقابل
أن لا يفهم من "حوار الحضارات أنه حوار بين الإسلام والغرب
فقط، بل لا بد أن يكون الحوار بين كافة الثقافات والحضارات والشعوب
" .
بهذه المنطلقات الأساسية والرؤى المتكاملة نتطلع إلى المستقبل بكل
ثقة وعزم لكسب رهاناته ومواجهة تحدياته .
وبهذه الروح نستمرّ ونستمرّ في العمل بلا كلل ولا ملل تدفعنا الآمال
وتداعب جفوننا الأحلام للحياة في مجتمع يسوده السلام بعيدا عن الظلم
والظلام .
ونجعل مسك الختام، الابتهال إلى الله العلي القدير، داعين ضارعين،
كي يحفظ سيادة الرئيس زين العابدين ويكلأه بستْره المبين، ويجعله
في كنف قرآنه العظيم ويزيده من التوفيق والتسديد والتّمكين .
اللهم بفضل هذه الليلة المباركة السَنِيَّةِ ، وقد تلألأت أنوارها
القدسية، وطفحت بركاتها الربانية، احرسه بعينك التي لا تنام، ومتّعه
بالصحة والسعادة يا ذا الجلال والإكرام .
اللهم سّدد على طريق الخير خطاه، وأنله مُناه، وزد في صلاحه وتقواه.
اللهم حقق على يديه المزيد من الخيرات والنفع والبركات لهذه البلاد
وسائر العباد، إنك كريم جواد .
اللهم إنّا نسألك باسمك العظيم الأعظم أن توحّد قلوبنا على محبتك،
وأن توطّنها على طاعتك وأن تجمع كلمة المسلمين على ما يرضيك ولا
يغضبك.
اللهم مُنَّ على هذا البلد الطيب الأمين بدوام الأمن والاستقرار
واطراد التقدم والازدهار يا عزيز يا جبار وعلى جميع المسلمين والناس
أجمعين بنعمة السلام والتعايش والوئام يا أرحم الراحمين يا رب العالمين
آمين،آمين،آمين وآخر دعوانا أن الحمد لله رّب العالمين.